صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

مقدمة 85

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وأبغضوه وعاداهم وعادوه وسار على جادة فينفر من ذلك أشد النفار وغايته أن يخلص في القدر اليسير من أعماله التي لا تتعلق بهم وسائر أعماله لغير اللّه . وتريه صورة الصدق مع اللّه وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم ، وأنه يعرض نفسه لما لا يطيق من البلاء وأنه يصير غرضا لسهام الطاعنين ، وأمثال ذلك من الشبه التي تقيمها النفس السحارة والخيالات التي تخيلها ، وتريه حقيقة الجهاد في صورة تقتل فيها النفس وتنكح المرأة ويصير الأولاد يتامى ويقسم المال ، وتريه حقيقة الزكاة والصدقة في صورة مفارقة المال ونقصه وخلو اليد منه واحتياجه إلى الناس ومساواته للفقير وعوده بمنزلته ، وتريه حقيقة إثبات صفات الكمال للّه في صورة التشبيه والتمثيل فينفر من التصديق بها وينفّر غيره ، وتريه حقيقة التعطيل والإلحاد فيها صورة التنزيه والتعظيم . وأعجب من ذلك أنها تضاهي ما يحبه اللّه ورسوله من الصفات والأخلاق والأفعال بما يبغضه منها ، وتلبس على العبد أحد الأمرين بالآخر ، ولا يخلص من هذا إلّا أرباب البصائر ، فإن الأفعال تصدر عن الإرادات وتظهر على الأركان من النفسين الأمارة والمطمئنة فيتباين الفعلان في البطلان ويتشابهان في الظاهر ، ولذلك أمثلة كثيرة منها المداراة والمداهنة فالأول من المطمئنة والثاني من الأمارة ، وخشوع الإيمان وخشوع النفاق ، وشرف النفس والتيه والحمية والجفاء ، والتواضع والمهانة ، والقوة في أمر اللّه والعلو في الأرض والحمية للّه والغضب له ، والحمية للنفس والغضب لها ، والجود والسرف ، والمهابة والكبر ، والصيانة والتكبر ، والشجاعة والجرأة ، والحزم والجبن ، والاقتصاد والشح ، والاحتراز وسوء الظن ، والفراسة والظن ، والنصيحة والغيبة ، والهدية والرشوة ، والصبر والقسوة ، والعفو والذل ، وسلامة القلب والبله والغفلة ، والثقة والغرة ، والرجاء والتمني ، والتحدث بنعم اللّه والفخر بها ، وفرح القلب وفرح النفس ، ورقة القلب والجزع ، والموجدة والحقد ، والمنافسة والحسد ، وحب الرياسة وحب الإمامة والدعوة إلى اللّه ، والحب للّه والحب مع اللّه ، والتوكل والعجز ، والاحتياط والوسوسة ، وإلهام الملك وإلهام الشيطان ، والأناة والتسويف ، والاقتصاد والتقصير ، والاجتهاد والغلو ، والنصيحة والتأنيب ، والمبادرة والعجلة ، والإخبار بالحال عند الحاجة والشكوى . فالشيء الوحيد تكون صورته واحدة وهو منقسم إلى محمود ومذموم ، كالفرح والحزن ، والأسف والغضب ، والغيرة والخيلاء ، والطمع والتجمل ، والخشوع ، والحسد والغبطة ، والجرأة والتحسر ، والحرص والتنافس ، وإظهار النعمة ، والحلف ، والمسكنة ، والصمت والزهد ، والورع والتخلي ، والعزلة والأنفة ، والحمية والغيبة ، وفي الحديث أن من الغيرة ما يحبها اللّه ومنها ما يكرهه فالغيرة التي يحبها اللّه الغيرة في الريبة ، والتي يكرهها الغيرة في غير ريبة « 1 » ، وأن من الخيلاء ما يحبه اللّه ومنها ما يكرهه ، فالتي يحب الخيلاء في الحرب . وفي الصحيح أيضا لا حسد إلّا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا فسلطة على هلكته في الحق ، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها . وفي الصحيح أيضا أن اللّه رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف « 2 » . وفيه أيضا من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من

--> ( 1 ) انظر صفة الغيرة . ( 2 ) انظر صفتي : الحسد والرفق وقد خرّجنا هذه الأحاديث في مظانها في هذه الصفات .